القرطبي

345

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

السماء حائل ، فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك ، أي من بعد إحرامه من بيته ، فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء ، فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته . فكانوا يرون هذا من النسك والبر ، كما كانوا يعتقدون أشياء نسكا ، فرد عليهم فيها ، وبين الرب تعالى أن البر في امتثال أمره . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : كان الناس في الجاهلية وفي أول الاسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المدر - يعني من أهل البيوت - نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج ، أو يضع سلما فيصعد منه وينحدر عليه . وإن كان من أهل الوبر - يعني أهل الخيام - يدخل من خلف الخيام الخيمة ، إلا من كان من الحمس . وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرته ودخل خلفه رجل أنصاري من بني سلمة ، فدخل وخرق عادة قومه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( لم دخلت وأنت قد أحرمت ) . فقال : دخلت أنت فدخلت بدخولك . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أحمس " أي من قوم لا يدينون بذلك . فقال له الرجل : وأنا ديني دينك ، فنزلت الآية ، وقاله ابن عباس وعطاء وقتادة . وقيل : إن هذا الرجل هو قطبة بن عامر الأنصاري . والحمس : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم ( 1 ) وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر ابن معاوية . وسموا حمسا لتشديدهم في دينهم . والحماسة الشدة . قال العجاج : * وكم قطعنا من قفاف ( 2 ) حمس * أي شداد . ثم اختلفوا في تأويلها ، فقيل ما ذكرنا ، وهو الصحيح . وقيل : إنه النسئ وتأخير الحج به ، حتى كانوا يجعلون الشهر الحلال حراما بتأخير الحج إليه ، والشهر الحرام حلالا بتأخير الحج عنه ، فيكون ذكر البيوت على هذا مثلا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره .

--> ( 1 ) كذا في ج . وفى سائر الأصول والفخر الرازي : " خيثم " . وفى البحر لابن حيان : " خثعم " . ( 2 ) في نسخ الأصل : " قفار " بالراء ، والتصويب عن اللسان . والقفاف : الأماكن الغلاظ الصلبة .